مقدمة: جرح غزة النازف
غزة - تلك البقعة الجغرافية الصغيرة التي تحولت إلى رمز عالمي للظلم والمعاناة، حيث يتعرض أهلها منذ عقود لأبشع أنواع القمع والقتل المنظم تحت سمع وبصر العالم. ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية المجتمع الدولي ومبادئ حقوق الإنسان التي يتغنى بها. فبينما تسارع الدول الغربية إلى إدانة انتهاكات حقوق الإنسان في بعض مناطق العالم، نجدها تتغاضى بل وتدعم بشكل صارخ جرائم الحرب الإسرائيلية ضد المدنيين في غزة، مما يكشف ازدواجية المعايير التي تحكم السياسة الدولية.
مجازر غزة: أرقام تفضح الوحشية
تشير التقارير إلى أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ بدايته أسفر عن مقتل أكثر من 64,695 ألف فلسطيني، بينهم ما يزيد عن 20 ألف طفل و8 آلاف امرأة، بالإضافة إلى جرح عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 90% من سكان القطاع 5. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تمثل مأساة إنسانية حقيقية حيث يتم تدمير المستشفيات والمدارس والمساكن بشكل منهجي، مع فرض حصار خانق يمنع وصول الغذاء والدواء والوقود 7.
وما يزيد المأساوية هو الطبيعة الوحشية للهجمات التي تستهدف بشكل واضح المدنيين. ففي حادثة واحدة بمخيم المغازي للاجئين، قتل 12 شخصاً على الأقل وأصيب 30 آخرون بجروح بينما كانوا يلعبون في الشارع أو يتسوقون 5. مثل هذه الأحداث تتكرر يومياً في غزة تحت ذريعة "الحق في الدفاع عن النفس"، وهي الذريعة نفسها التي استخدمتها الدول الاستعمارية تاريخياً لتبرير الإبادة الجماعية 6.
ازدواجية المعايير: الكيل بمكيالين
تتجلى ازدواجية المعايير الدولية بشكل صارخ في التعامل مع الأزمات المختلفة. فبينما أدانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الغزو الروسي لأوكرانيا ووصفته بـ"الهمجي" و"جريمة ضد الإنسانية"، نجدهم يبررون المجازر الإسرائيلية في غزة تحت مسمى "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" 410.
الرئيس الأمريكي جو بايدن - الذي أدان ما سماه "إبادة" ترتكبها القوات الروسية في أوكرانيا - هو نفسه الذي أعلن دعمه الثابت "كالصخر" لإسرائيل، ورفض الدعوات لوقف إطلاق النار في غزة، بل وطلب من الكونغرس تمويلاً عاجلاً بقيمة 14 مليار دولار كمساعدات عسكرية لإسرائيل 10. هذه الازدواجية لم تكن خافية على العالم، حيث علق المعلق السياسي الفلسطيني نور عودة قائلاً: "يبدو أن الاحتلال يكون سيئاً فقط إذا كان الأشخاص الذين ليسوا إلى جانبك يقومون به" 4.
صمت المجتمع الدولي: تواطؤ أم عجز؟
مجلس الأمن الدولي - الذي يفترض أن يكون حارساً للسلم والأمن الدوليين - ظل عاجزاً عن اتخاذ أي إجراء حقيقي لوقف المجازر في غزة. ففي الوقت الذي صوت فيه المجلس على قرار إدانة الهجمات في البحر الأحمر، تجاهل تماماً المجازر اليومية في غزة 2. هذا العجز ليس طارئاً، بل يعكس هيمنة القوى الكبرى على قرارات المجلس، حيث أن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار يدعو لوقف إطلاق النار في غزة 4.
حتى المنظمات الحقوقية الدولية التي عادة ما تكون سريعة في إصدار البيانات الاستنكارية للانتهاكات في أماكن أخرى من العالم، تبدو حذرة أو متخاذلة عندما يتعلق الأمر بغزة. وكما لاحظ مرصد الأزهر الشريف، فإن العديد من وسائل الإعلام الغربية انتهكت المعايير المهنية في تغطيتها للحرب على غزة، حيث ركزت على معاناة الإسرائيليين بينما قللت من شأن الضحايا الفلسطينيين 8.
مواقف الدول العربية والإسلامية: بين التضامن والمصالح
على الرغم من أن بعض الدول العربية مثل السعودية والكويت وقطر وسلطنة عمان انتقدت ازدواجية المعايير الدولية 2، إلا أن الموقف العربي والإسلامي بشكل عام ظل دون مستوى التحدي. بعض الأنظمة العربية تبدو أكثر اهتماماً بعلاقاتها مع الغرب وإسرائيل من مصير الشعب الفلسطيني، كما يتضح من تقارير عن تعاون أجهزة أمنية فلسطينية مع الاحتلال في قمع التظاهرات المؤيدة لغزة في الضفة الغربية 9.
في المقابل، برزت بعض المبادرات الفردية مثل مؤتمر "التحالف العالمي ضد الفصل العنصري العلمي" الذي دعا النخب العلمية العالمية إلى عدم تجاهل الظلم الذي يتعرض له شعب غزة 11. كما شهدت العديد من العواصم الغربية مظاهرات حاشدة تضامناً مع غزة، مما يعكس فجوة بين مواقف الحكومات الغربية ورأي شعوبها 3.
الإعلام الغربي: أداة لتشويه الحقائق
كشفت تغطية الإعلام الغربي للحرب على غزة عن تحيز صارخ. فبينما وصف القصف الروسي للمدن الأوكرانية بأنه "همجي"، نجد نفس الوسائل الإعلامية تقدم القصف الإسرائيلي لغزة على أنه "رد فعل دفاعي". دراسة أجرتها مجلة "ذا ناشون" الأميركية أظهرت أن منصات إعلامية مثل "سي إن إن" و"إم إس إن بي سي" ركزت على معاناة الإسرائيليين أكثر من الفلسطينيين بنسبة كبيرة، رغم أن عدد ضحايا الفلسطينيين تجاوز ضحايا الأوكرانيين بنسبة 500% 8.
هذا التحيز لم يقتصر على المحتوى الإخباري، بل امتد إلى اللغة المستخدمة، حيث يتم وصف العنف الإسرائيلي بمصطلحات مثل "العمليات" و"الحملات" و"الاستراتيجيات"، مما يعطي انطباعاً بأنه عنف مشروع وهادف، بينما يوصف العنف الفلسطيني بأنه "إرهاب" 8.
خاتمة: غزة تفضح العالم
ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل هو مرآة تعكس زيف المبادئ التي تدعيها الدول الكبرى، وتكشف الوجه القبيح للسياسة الدولية التي تحركها المصالح وليس المبادئ. ازدواجية المعايير هذه لا تقوض فقط مصداقية النظام الدولي، بل تهدد فكرة العدالة العالمية برمتها.
غزة تذكرنا بأن حقوق الإنسان ليست امتيازاً يمنحه الأقوياء للضعفاء، بل هي مبادئ عالمية يجب أن تطبق على الجميع دون تمييز. وكما قال الوزير القطري في مجلس الأمن: "صمت المجتمع الدولي وازدواجية المعايير يظل وصمة عار على جبين الإنسانية" 2. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: إلى متى سيستمر هذا الصمت؟ وإلى أي مدى يمكن للإنسانية أن تتجاهل صرخات أطفال غزة قبل أن تفقد مصداقيتها بالكامل؟
