📖 رواية: "دم على تراب الزيتون"

المقدمة: الراوي وذاكرة الأرض

أنا لستُ سوى شاهدٍ على ما جرى، لستُ إلا عينًا ترى وتروي. قد أكون شيخًا جلس على أطلال قريته، أو طفلًا حمل حجرًا صغيرًا في مواجهة دبابة، أو ربما مجرد شجرة زيتون غرست جذورها في التراب قبل مئات السنين، ورأت كل شيء. أنا الذاكرة التي لم تمت، الذاكرة التي تنزف ولا تجف. هذه حكاية فلسطين منذ أول الغزاة حتى اليوم، حكاية دمٍ سال على تراب الزيتون، وما زال يسيل. 



الفصل الأول: بوابة النار (1917 – 1920)

في عامٍ مظلم، جاء البريطانيون على دباباتهم، يحملون معهم "وعد بلفور" كأنه قدر مكتوب. لم نكن نعرف أن الكلمات على ورقة يمكن أن تفتح أبواب الجحيم علينا. دخل الجنود القدس، ورفعوا راياتهم فوق الأسوار. ومنذ ذلك اليوم تغيّر كل شيء.
كنتُ صبيًا أركض بين أزقة يافا، أبيع البرتقال مع أبي. لكنني كنت أسمع حديث الرجال عن غرباء جاؤوا ليستوطنوا الأرض. "اليهود جاؤوا من وراء البحر"، قال أبي. لم أفهم يومها ما الذي يعنيه، لكنني رأيت بأم عيني مستوطنات صغيرة تنمو كالجرح وسط الحقول.


الفصل الثاني: جرح مفتوح (1920 – 1936)

الأرض كانت تصرخ. الفلاحون بدأوا يفقدون أراضيهم بسبب القوانين التي وضعها الإنجليز. الغريب صار يملك، وصاحب الأرض صار مطرودًا.
في القدس، قامت أولى الثورات، وسمعنا عن شهداء سقطوا برصاص الجنود البريطانيين. ثم جاء عام 1936، حين انفجرت الثورة الكبرى. كنتُ قد صرت شابًا، أحمل بندقية صدئة في الجبال مع رفاقي. كنا نقطع الطرق على قطارات الإنجليز، ونهاجم مواقعهم. كنا نعلم أننا لن ننتصر، لكننا كنا نؤمن أن الأرض لا تُباع.


الفصل الثالث: عام النكبة (1948)

ثم جاء يوم النكبة، يوم فقدنا البيوت، وفقدنا الوطن. كنتُ في حيفا حينها، رأيت الناس يركضون نحو البحر، قوارب صغيرة تحمل عائلات بأكملها إلى المجهول. سمعت صرخات النساء، ورأيت رجالًا يُقتلون أمام أبواب بيوتهم.
بيتنا أُحرق، وأبي سقط برصاص العصابات الصهيونية. حملتُ أمي وأختي الصغيرة وخرجنا مع آلاف اللاجئين. ومنذ ذلك اليوم، صرنا غرباء على أرضنا.


الفصل الرابع: بين المنافي والمخيمات (1948 – 1967)

المخيم... كان اسمه مؤقتًا، لكنه صار قدرًا دائمًا. خيمة أولى، ثم ثانية، ثم صفوف طويلة من الخيام تحولت إلى بيوت صفيح. الأطفال كبروا وهم يحملون مفاتيح بيوت لم يعودوا يعرفون أين هي. النساء كن يقلن: "سنعود قريبًا". لكن السنين مضت، ولم نعد.
كنتُ أرى العيون، كلها تنظر إلى الأفق، تنتظر فجرًا لا يأتي.


الفصل الخامس: نكسة أخرى (1967)

كنا نظن أن الهزائم انتهت، فإذا بها تتكرر. في ستة أيام فقط، احتل العدو ما تبقى من فلسطين: الضفة، غزة، القدس.
كنتُ في الخليل حين دخلت الدبابات الإسرائيلية. الجنود كانوا يضحكون، كأنهم جاءوا في نزهة. صرخت أمي: "أين العرب؟ أين الجيوش؟" ولم يكن هناك جواب.


الفصل السادس: الانتفاضة الأولى (1987)

ثم جاء زمن الحجارة. أطفال في الشوارع، يواجهون الجنود المدججين بالسلاح. كنتُ أبًا حينها، ورأيت ابني يرمي حجرًا نحو دبابة، فارتجف قلبي بين الخوف والفخر.
العالم كله بدأ يسمع عن "انتفاضة". صور الشهداء والجرحى ملأت الشاشات. كنا نعرف أن الحجارة لن تُسقط الاحتلال، لكنها أيقظت العالم من صمته.


الفصل السابع: الانتفاضة الثانية (2000)

ثم جاء الدم أكثر كثافة. قُتل الآلاف، دُمرت البيوت، واحترقت الشوارع. كنتُ قد فقدت ابني البكر، برصاصة في صدره. حملته بين ذراعي، وقلت: "لقد صرت شهيدًا يا ولدي".
الدموع لم تجف، لكن الغضب كان أقوى. الاحتلال ظن أنه سيكسرنا، لكنه لم يعرف أننا كلما فقدنا شهيدًا، وُلد فينا ألف مقاوم.


الفصل الثامن: غزة تحت الحصار (2007)

غزة... تلك البقعة الصغيرة التي تحولت إلى أكبر سجن في العالم. كنتُ أزورها، فرأيت الناس يعيشون بلا كهرباء، بلا دواء، بلا ماء نظيف. الحصار كان يخنقهم، لكنهم كانوا يغنون للحياة.
رأيت صيادين يخرجون إلى البحر، رغم أن الزوارق الحربية كانت تطاردهم. رأيت الأطفال يكتبون على الجدران: "سنعيش رغم أنف الحصار".


الفصل التاسع: حروب النار (2008 – 2023)

الحرب الأولى جاءت كالصاعقة. آلاف القنابل في أيام قليلة. المستشفيات امتلأت بالجثث، البيوت تحولت إلى تراب.
ثم تكرر العدوان مرة تلو الأخرى: 2012، 2014، 2021... كل مرة يقال: "هذه أفظع حرب"، ثم تأتي حرب أفظع.
كنتُ أسمع أصوات الأمهات وهن يبحثن عن أبنائهن تحت الركام. كنتُ أرى العالم يكتفي بالبيانات، بينما دماؤنا تجف على شاشات التلفاز.


الفصل العاشر: ليل غزة الطويل (2023 – حتى اليوم)

العدوان الأخير لم يُبقِ شيئًا. مدن بأكملها سويت بالأرض. آلاف الأطفال استُشهدوا، ونساء فقدن كل شيء.
كنتُ أجلس في الظلام، أحمل حفيدي الصغير، وهو يسألني: "جدّي، متى سنعود إلى بيتنا؟" ولم أجد جوابًا. فقط احتضنته وبكيت.
لكن وسط الخراب، رأيت شبابًا يرفعون الأعلام، يهتفون للحرية. رأيت أطباء يعملون بلا دواء، يُنقذون الأرواح بما تبقى من أمل. رأيت نساءً يُخبزن تحت القصف، ليقولن: "الحياة لن تنتهي".


الخاتمة: الأرض تحكي... ولا تموت

هذه هي حكاية فلسطين، منذ دخل الغريب أرضها، حتى يومنا هذا. حكاية دمٍ لم يتوقف عن السيلان، وزيتونٍ لم يتوقف عن الإثمار.
أنا الراوي... ربما أموت غدًا، لكن الأرض ستظل تحكي. سيظل الزيتون شاهدًا، والبحر حافظًا للأسرار، وسيظل الطفل الذي يحمل حجرًا أكبر من يده، يقول للعالم:
"هنا وطن... وهنا شعب... لن يُمحى."

MOHAMED LABRIGUI

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرحبا بكل من شرفنا وقام بزيارتنا من خلال موقنا المتواضع

إرسال تعليق

أحدث أقدم