"غابة الغدر... حين بكت الكهوف" ليست فقط رحلة إلى الطبيعة، بل إلى أعماق النفس، حيث تختلط الوحوش البشرية بالحيوانات، وتضيع الحدود بين الإنسان والهمجية.
اقرأ هذه الرواية على مهل، فكل سطر فيها كُتب من روح تنزف… ومن قلمٍ لم ينجُ من لعنته أحد.
الفقرة الأولى: وداع المدينة لم تكن المدينة إلا قفصًا من دخان وأسمنت، نخنق فيه كل يوم ونحن نبتسم كالأغبياء. كنا خمسة: أنا بولحية، رمزي، شاكر، رؤوف، والحاج. نعيش تحت ظل الحيطان القديمة والديون الثقيلة. ليالينا كانت مليئة بالكلام والدموع المكبوتة، إلى أن نطق الحاج بجملته التي لم تغادرنا: "الغابة أفضل من هذا القبر، هناك الحرية، هناك الحياة كما يجب أن تكون." ولأول مرة في حياتنا، قررنا الهروب لا للنجاة… بل للعثور على أنفسنا.
الفقرة الثانية: الطريق إلى المجهول بخريطة قديمة، وبوصلة خجولة من العمر، حملنا حقائبنا ومضينا. مشينا على أطراف البلاد، عبرنا الجبال، وتسلقنا الأوهام. الكلبة "ليا" كانت تسبقنا دائمًا، وكأنها تعرف الطريق. بعد أيام من المسير، وقفنا على حافة الغابة، كانت عظيمة، صامتة، تراقبنا بعيون الشجر. كأن الغابة نطقت، لكنها لم تكن تمزح.
الفقرة الثالثة: الكهف الأول وجدنا كهفًا عند طرف النهر، محفورًا في الصخر مثل جرح قديم. نصبنا فيه أول نار، وبدأنا نعيد ترتيب علاقتنا مع الطبيعة. رمزي كان يصطاد، شاكر يعد الطعام، رؤوف يحرس، والحاج... كان يختفي كثيرًا. أما أنا، فكنت أكتب، أحفر ذكرياتي على جدران الكهف كأنني أخشى أن أنساها. لكن في أعين أصدقائي، بدأ يلمع شيء مختلف… شيء لم أفهمه في البداية.
الفقرة الرابعة: طقوس الغابة الغابة لا ترحم، لكنها تُعلم. تعلمك أن تسمع أكثر مما تتكلم، أن تشك قبل أن تثق. اكتشفنا نباتات غريبة، أصواتًا في الليل لا تشبه الذئاب. "ليا" كانت تنبح نحو اللاشيء، وذات ليلة، جرح رمزي يده لما لامس جذع شجرة، فقال الحاج: "الغابة تعاقب من لا يحترمها." كان صوته عميقًا... كأنه يعرف أكثر مما يقول.
الفقرة الخامسة: الاختفاء الأول استيقظنا ذات صباح ولم نجد رؤوف. بحثنا عنه في الغابة لأيام. وجدنا قبعته قرب بحيرة، لكن لا أثر له. رمزي انهار بالبكاء، وشاكر بدأ يهمس بكلمات غريبة، والحاج جلس بصمت طويل. حين عدنا إلى الكهف، وجدت نقشًا جديدًا على الجدار لم أكتبه: "كل من دخل الغابة، فقد نفسه." ارتجف قلبي، وشعرت بأن شيئًا انكسر فينا.
الفقرة السادسة: خيانة النار في إحدى الليالي، اقتربت من النار لأسمع حديثًا لم يكن ليُقال أمامي. رمزي يقول: "بولحية يشك فينا، يجب أن ننهي الأمر قبل أن ينهينا." شاكر يرد: "لكن ليا تحرسه دائمًا… سنُسكت الاثنين." تراجعت بخطوات بطيئة، ورأيت الحاج من بعيد… ينظر نحوي دون أن يتكلم. في تلك الليلة، نمت وعيناي مفتوحتان، والسكين تحت رأسي.
الفقرة السابعة: الكلبة التي رأت ليا لم تعد تأكل من يد رمزي، ولم تقرب شاكر، بل كانت تلتحف بجانبي كأنها فهمت كل شيء. حين حاول رمزي الاقتراب مني، عضّته ليا، وكشفت أنيابها كذئب بري. الغابة صمتت، لكننا لم نعد نسمع الطيور. كنت أكتب يوميًا في دفتر خفي، أخاف أن أموت دون أن يفهم أحد ما حدث. الغدر كان يقترب… لكني لم أكن مستعدًا بعد.
الفقرة الثامنة: موت الحاج في صباحٍ رمادي، وجدنا الحاج ميتًا قرب شجرة مجوفة، وعيناه مفتوحتان نحو السماء. لم تكن هناك آثار صراع، فقط وردة برية على صدره. رمزي قال إنه مات مسمومًا. لكنني رأيت أثر حذاء في الطين… حذاء شاكر. دفناه تحت الصخر، و"ليا" ظلت تنبح فوق قبره لساعات. شيء ما في روحي مات مع الحاج… وبدأت أحمل خنجري معي، في كل لحظة.
الفقرة التاسعة: لحظة الانفجار ليلة العاصفة، حين التهم البرق السماء، هجم علي رمزي وشاكر. لم أكن أتوقع أن يفعلوها بتلك الوحشية. قاومت، والدم في فمي، و"ليا" تقاتل بجانبي كأنها إنسان. طعنت رمزي في بطنه، وسقط يصرخ، أما شاكر فقد عضته "ليا" حتى نزف وهرب في عمق الغابة. عندما هدأ كل شيء، كنت وحدي. رمزي مات، شاكر اختفى، "ليا" تنزف، وأنا… كنت أحترق من الداخل.
الفقرة العاشرة: النهاية… حين تبكي الصخور بعد أيام من الوحدة، ماتت "ليا" بين ذراعي، وعيناها تدمعان. حفرتها بيدي في الطين، ووضعت دفتر ذكرياتي فوق قبرها. جلست في الكهف، أسمع صدى أرواح من خانوني، من أحببتهم، من دفنوني حيًّا. لم أعد أرغب في الخروج، لم أعد أرغب في شيء. هذه الغابة ابتلعتنا جميعًا… وها أنا أنتظر أن تبتلع آخر نفس مني.
